وقد أبرز صاحب الجلالة الملك محمد السادس هذه المعاني والدلالات في العديد من خطبه السامية, ومنها قول جلالته عن هذه الملحمة العظيمة" حققت هذه الثورة المظفرة نهاية عهد الحجر والحماية, وبزوغ فجر الحرية والاستقلال, ودخلت سجل الخلود, ليس كحدث تاريخي عابر, وإنما كمذهب متكامل, لاسترجاع السيادة, وإرساء الملكية الدستورية الديمقراطية, والقضاء على التخلف والجهل والانغلاق, وعلى هدي هذه الثورة المجيدة, أرست الإرادة المشتركة للأمة, ولجدنا ووالدنا المنعمين, جلالة الملكين محمد الخامس والحسن الثاني قدس الله روحيهما, قواعد دولة حديثة, نقوم اليوم, بتوطيد دعائمها الاقتصادية والاجتماعية".
وأضاف جلالته" كما شكلت هذه الملحمة التاريخية التي صنعها جيل 20 غشت1953 , مدرسة للوطنية المغربية الحقة للدفاع عن الوحدة الوطنية والترابية والمذهبية, في إطار الالتحام المكين بين الشعب والعرش الذي كان السد المنيع في وجه كل المؤامرات والرافعة القوية لكل التحديات.
وتعد ثورة الملك والشعب حدثا تاريخيا حاسما توج بالنصر مراحل الكفاح المرير الذي تلاحقت أطواره وتعددت صوره وأشكاله في مواجهة الوجود الاستعماري المفروض منذ سنة1912 , حيث خلد المغاربة أروع صور الوطنية الصادقة وبذلوا أغلى التضحيات في سبيل عزة الوطن وكرامته والدفاع عن مقدساته.
وكان من أبرز هذه المخططات الاستعمارية محاولة التفريق بين أبناء الشعب المغربي وتفكيك وحدتهم وطمس هويتهم الدينية والوطنية بإصدار ما سمي بالظهير البربري يوم16 ماي1930 , لكن المخطط سرعان ما باء بالفشل حيث أظهر رجال الحركة الوطنية للكيان الاستعماري تشبث المغاربة قاطبة بهويتهم ووحدتهم وتعلقهم بالعرش العلوي المجيد.
ومن تجليات وإفرازات النضال الوطني إقدام رجال الحركة الوطنية على تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال إلى سلطات الحماية يوم11 يناير1944 بتنسيق تام مع بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس, وما أعقب ذلك من ردود فعل استعمارية عنيفة حيث تم اعتقال بعض رموز ورجال الحركة الوطنية والتنكيل بالمغاربة الذين أظهروا حماسا وطنيا منقطع النظير عبروا من خلاله عن مساندتهم لمضمون الوثيقة التاريخية.
كما أن من أبرز هذه المحطات التاريخية التي ميزت مسار الكفاح الوطني, الزيارة التاريخية التي قام بها أب الوطنية وبطل التحرير إلى طنجة يوم9 أبريل1947 تأكيدا على تشبث المغرب, ملكا وشعبا, بحرية الوطن ووحدته الترابية وتمسكه بمقوماته وهويته.
لقد كان لهذه الزيارة الميمونة الأثر العميق على علاقة الإقامة العامة بالقصر الملكي حيث اشتد الصراع, خاصة وأن جلالة المغفور له محمد الخامس, طيب الله ثراه, لم يخضع لضغوط سلطات الحماية المتمثلة أساسا في مناهضة الحركة الوطنية والمد التحرري للوطن
وكانت مواقفه الرافضة لكل مساومة سببا في تأزم الوضع وشروع المستعمر في تدبير مؤامرة الفصل بين الملك وشعبه, وقد تصدى المغاربة لهذه المؤامرة التي تجلت خيوطها في غشت1953 حيث وقف المراكشيون بالمرصاد يومي14 و15 غشت1953 لمنع تنصيب صنيعة الاستعمار ابن عرفة, كما انطلقت انتفاضة16 غشت1953 بوجدة وبعدها بتافوغالت ببركان.
وعمت مواقف الاستنكار والتنديد بالعمل الشنيع لقوات الاحتلال كل ربوع الوطن, حينما أقدمت سلطات الحماية على محاصرة القصر الملكي بواسطة القوات الاستعمارية يوم 20 غشت1953 طالبة من جلالة المغفور له محمد الخامس, التنازل عن العرش ففضل طيب الله ثراه النفي على أن يرضخ لإرادة الاحتلال مصرحا بكل ما لديه من إيمان بالله وعدالة بالقضية المغربية بأنه الملك الشرعي للأمة وأنه لن يخون الأمانة التي ألقاها شعبه الوفي على عاتقه والمتمثلة في كونه سلطان الأمة الشرعي ورمز سيادتها الوطنية.
وأمام هذه المواقف الوطنية السامية التي جسدها بطل التحرير بكل عزم وإقدام وبكل شجاعة وإباء, أقدمت سلطات الاحتلال على تنفيذ جريمتها النكراء بنفيه ورفيقه في الكفاح فقيد العروبة والإسلام, جلالة المغفور له الحسن الثاني, رحمة الله عليه, والأسرة الملكية الشريفة يوم20 غشت1953 إلى جزيرة كورسيكا ومنها إلى مدغشقر.
وما أن عم الخبر في ربوع المملكة وشاع في كل أرجائها حتى انتفض الشعب المغربي انتفاضة عارمة وتفجر غضبه في وجه الاحتلال الأجنبي وبدأت بوادر الجهاد تتنظم وتشكلت خلايا المقاومة الفدائية والتنظيمات السرية, وانطلقت العمليات البطولية لضرب غلاة الاستعمار ومصالحه وأهدافه.
وتجلى واضحا من ذلك عزم المغاربة وإصرارهم على النضال المستميت من أجل عودة الشرعية وإعلان الاستقلال, فمن العمل البطولي للشهيد علال بن عبد الله يوم11 شتنبر1953 الذي استهدف صنيعة الاستعمار, إلى عمليات شهيرة للشهيد محمد الزرقطوني ورفاقه في خلايا المقاومة بالدار البيضاء وعمليات مقاومين ومجاهدين بمختلف مدن وقرى المغرب لتتصاعد وتيرة الجهاد بالمظاهرات العارمة والانتفاضات المتوالية, منها مظاهرات خنيفرة ووادي زم وخريبكة في19 و20 غشت1955 .
وتكللت هذه الانتفاضات والمظاهرات بانطلاق جيش التحرير بشمال المملكة في أكتوبر1955 .
إن اندلاع ثورة الملك والشعب حدث جيلي ومحطة تاريخية حاسمة وفاصلة بين فترة الحماية وعهد الاستقلال, حققت أمل الأمة المغربية قاطبة في عودة بطل التحرير ورمز المقاومة جلالة المغفور له محمد الخامس, طيب الله ثراه, في16 نونبر1955 حاملا معه لواء الحرية والاستقلال ومعلنا عن الانتقال من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر من أجل بناء المغرب الجديد الحر المستقل.
وكان استرجاع طرفاية سنة1958 محطة بارزة في مسيرة استكمال الاستقلال وتحقيق الوحدة الترابية.
وواصل الملك الموحد جلالة المغفور له الحسن الثاني, رضوان الله عليه, هذه الملحمة الوطنية, فتم في عهده استرجاع مدينة سيدي إيفني سنة 1969 واسترجاع الأقاليم الجنوبية للمملكة سنة1975 بفضل المسيرة الخضراء المظفرة التي تعتبر حدثا وطنيا عظيما, وارتفع العلم الوطني في سماء العيون يوم28 فبراير1976 , وفي14 غشت من سنة1979 تم تعزيز استكمال الوحدة الترابية باسترجاع إقليم وادي الذهب.
ويعيش الشعب المغربي اليوم عهدا جديدا بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس الذي يسير بشعبه نحو مدارج التقدم والحداثة مواصلا مسيرة الجهاد الأكبر وتثبيت وصيانة الوحدة الترابية وتحصين الانتقال الديمقراطي والإسراع به قدما إلى الأمام وترسيخ مبادئ المواطنة الملتزمة وتحقيق نهضة شاملة على صعيد مختلف الميادين والمجالات وبناء اقتصاد عصري منتج ومتضامن وتنافسي وتعزيز مكانة المغرب كقطب جهوي وفاعل دولي وإذكاء إشعاعه الحضاري كبلد للسلام والقيم الإنسانية المثلى..
المصدر: و م ع
( خبر يهم ملف الصحراء الغربية / الكوركاس)